“كنت أظن أن مشكلتي مع مرض السكر ستقتصر على النظام الغذائي وبعض الفحوصات الدورية، لكن لم يخطر ببالي يومًا أن يستهدف بصري، ويُضعف واحدة من أهم نعم الله عليّ.
مع كل صباح، كنت أُدرك مدى ارتباطنا الدائم بحاسة الإبصار في كل لحظة من حياتنا، لم أتخيل أن تمييز وجه أحد أحبائي سيكون مرهقًا إلى هذا الحد”.
تلك كانت كلمات أحد مرضي السكري والذي أصيب بمضاعفاته علي العين وتحديدًا ما يعرف بـ المياه البيضاء.
والمياه البيضاء أو “الساد” هي حالة تصيب عدسة العين، حيث تفقد تدريجيًا شفافيتها بفعل تراكم البروتينات بداخلها، مما يؤدي إلى تشوش في الرؤية، ورؤية ضبابية تزداد سوءًا بمرور الوقت إذا لم تُعالج بالجراحة.
في هذه المقالة، يستعرض لكم الدكتور أحمد المؤمن، استشاري طب وجراحة العيون، بجامعة عين شمس، واقعًا يعيشه كثير من مرضي السكر دون أن يدركوا تأثير هذا المرض المزمن علي أعينهم.
ومن هنا نبدأ سرد تجربة مريض مع المياه البيضاء ومرض السكري، كما عاشها خطوة بخطوة .. رحلة تمثل صوت كل مريض لم يكن يتوقع أن يفقد بصره تدريجيًا بسبب مرضه، لكنها أيضًا تُبرز الأمل في التعافي عند التشخيص والعلاج في الوقت المناسب.
أعراض وتأثير مرض السكر علي العين
وهنا يقول المريض “مع مرور الوقت، بدأت أشعر أن المشكلة تتفاقم، لم تعد الأعراض مقتصرة على ضبابية بسيطة أو تعب في العينين، بل بدأت أواجه صعوبة حقيقية في ممارسة أنشطتي اليومية، القراءة أصبحت مجهدة، ومشاهدة التلفاز لم تعد واضحة كما كانت.
أثناء القيادة ليلًا، أصبحت أنزعج من الأضواء القادمة من السيارات الأخرى، وألاحظ هالات ساطعة تحيط بها، ظننت في البداية أنها مشكلة مؤقتة، لكن شيئًا ما بدا مختلفًا، أكثر استمرارًا وأكثر إرباكًا.
كنت أعلم أن مرض السكري قد يُضعف النظر، لكنني لم أكن أتصور أن يؤثر على عدسة العين بهذا الشكل.
عند زيارتي للدكتور أحمد المؤمن، أوضح لي أن ارتفاع مستويات السكر في الدم يؤدي إلى تغيرات في بنية العدسة، ما يجعلها تمتص السوائل وتتورم، وبالتالي تتغير خصائصها وتبدأ البروتينات بالتكتل، مما يؤدي إلى ظهور المياه البيضاء.
كما شرح لي أن مرض السكري لا يزيد فقط من خطر الإصابة بالمياه البيضاء، بل يُسرّع أيضًا من تطورها، في بعض الحالات، تتكون العتامة بسرعة كبيرة مقارنة بمن لا يعانون من السكر، ما يجعل المريض يحتاج إلى تدخل جراحي بشكل مبكر لتفادي تدهور الرؤية.
ومع إدراكي لطبيعة هذه الحالة، فهمت أن التأجيل لم يعد خيارًا، وتجاهل الأعراض كان سيؤدي إلى مضاعفات أكبر، ليس فقط في العدسة، بل في الشبكية والعصب البصري أيضًا، (لأن مرض السكري قد يُسبب مضاعفات خطيرة مثل اعتلال الشبكية السكري أو حتى المياه الزرقاء (الجلوكوما) – وهو ما تطرّقنا له في مقالة سابقة).
لحسن الحظ، كنت في المكان المناسب وفي التوقيت الصحيح، وهنا بدأت مرحلة العلاج تحت إشراف د. أحمد المؤمن”.
فحوصات ضرورية قبل عملية المياه البيضاء
يكمل المريض حديثه قائلًا: “عندما أخبرني دكتور أحمد بأنني سأحتاج إلى جراحة لإزالة المياه البيضاء، شعرت بالقلق في البداية، لكن أسلوبه الهادئ وتفسيره المفصل منحاني شعورًا بالثقة والاطمئنان.
أوضح لي أن مريض السكري يحتاج إلى تحضير خاص قبل العملية، حيث يُعد استقرار مستوى السكر في الدم خطوة ضرورية لضمان نجاح الجراحة وتقليل خطر حدوث أي مضاعفات.
بدأت الاستعدادات بإجراء سلسلة من الفحوصات الدقيقة، شملت:
قياس ضغط العين (Intraocular Pressure – IOP) للكشف عن وجود أي ارتفاع في الضغط قد يشير إلى بدايات جلوكوما أو مشكلات في تصريف سوائل العين.
مرضى السكري أكثر عرضة لهذه الحالة، لذا كان هذا الفحص ضروريًا لتفادي أي مضاعفات مستقبلية.
تقييم الشبكية بفحص توسعة الحدقة (Fundus Exam) حيث قام الطبيب بفحص دقيق للشبكية والعصب البصري للكشف عن أي علامات لاعتلال الشبكية السكري، وهو أحد أكثر مضاعفات السكري شيوعًا.
هذا الفحص يحدد ما إذا كانت الشبكية سليمة ويمكن للجراحة أن تحقق النتيجة المرجوة.
فحص العدسة وموقع الساد (المياه البيضاء) باستخدام تقنيات تصوير متقدمة مثل الموجات فوق الصوتية، يتم تحديد مدى العتامة وموقعها بدقة، مما يُساعد الطبيب في التخطيط الدقيق لمسار العملية واختيار نوع العدسة الصناعية المناسبة – وهي ما تحدثنا عنها في مقالة من قبل.
كما نصحني الطبيب بالتعاون مع طبيب الغدد الصماء لضبط مستويات السكر قبل موعد العملية، وأوصي باستخدام قطرات للعين قبل الجراحة لتقليل خطر الالتهاب، كما طلب مني التوقف عن بعض الأدوية المسيلة للدم مؤقتًا.
الأهم من ذلك، أكد لي أن التحضير الجيد هو ما يصنع الفرق، وأن كل خطوة محسوبة بدقة لضمان أفضل نتيجة ممكنة”
أنواع جراحات المياه البيضاء
بعد أن شرح د. أحمد المؤمن للمريض طبيعة المشكلة وتطورها بسبب مرض السكري، انتقل إلى الحديث عن خيارات العلاج المتاحة، موضحًا أن جراحة المياه البيضاء ليست واحدة، بل توجد عدة أنواع تختلف في الأسلوب والدقة ومدة التعافي، بحسب الحالة الصحية، ودرجة العتامة.
1. الجراحة التقليدية للمياه البيضاء (ECCE – Extracapsular Cataract Extraction)
تُعد هذه الطريقة من أقدم التقنيات الجراحية لعلاج المياه البيضاء، ولا تزال تُستخدم في بعض الحالات المتقدمة أو المعقدة.
تعتمد على إجراء شق جراحي كبير نسبيًا في مقدمة العين لإزالة نواة العدسة المعتمة دفعة واحدة، مع الحفاظ على الغشاء الخلفي للعدسة. بعد إزالة العدسة، تُزرع عدسة صناعية شفافة داخل العين لتحل محل العدسة الطبيعية.
رغم فعاليتها، تتطلب هذه التقنية فترة تعافٍ أطول، وقد تستلزم خياطة جراحية. لذا تُستخدم غالبًا عند وجود تكلس شديد أو مشاكل في القرنية، حيث لا تكون الفاكو أو الليزر مناسبة.
2. عملية المياه البيضاء بالفاكو (Phacoemulsification)
تُعد الفاكو التقنية الأكثر شيوعًا حاليًا، وخصوصًا لمرضى السكري، تستخدم جهازًا يُطلق موجات فوق صوتية لتفتيت العدسة المعتمة داخل العين إلى أجزاء صغيرة، ثم يُشفَط هذه القطع عبر شق دقيق لا يتجاوز 2-3 مم.
ميزة هذه التقنية أنها لا تتطلب شقوقًا كبيرة، مما يقلل من الحاجة إلى الخياطة، ويُسهل التئام الجرح بشكل طبيعي، كما أن فترة التعافي تكون أسرع، ويُمكن للمريض العودة إلى أنشطته اليومية خلال أيام قليلة.
3. عملية المياه البيضاء بالليزر (Femtosecond Laser-Assisted Cataract Surgery)
تُعد هذه التقنية الأحدث والأكثر تطورًا، وتُستخدم فيها أشعة الليزر بدقة متناهية لتنفيذ الخطوات الأساسية من الجراحة.
يقوم الليزر بعمل الشقوق الجراحية في القرنية، وفتح الكبسولة الأمامية للعدسة، ثم تقسيم نواة العدسة إلى قطع صغيرة، هذا يقلل من الاعتماد على الموجات فوق الصوتية ويُحسن من دقة تمركز العدسة الصناعية.
تُستخدم هذه التقنية عادة في الحالات التي تتطلب دقة عالية، مثل زراعة العدسات متعددة البؤر أو التوريك، أو في حال وجود تشوهات خلقية في العين، كما أنها قد تكون مفضلة لدى مرضى السكري، خاصة إذا كانت لديهم مشكلات في الأنسجة أو احتمالية مضاعفات مرتفعة.
تعليمات ما بعد عملية المياه البيضاء
وهنا أكمل المريض حديثه بعد إجراء العملية يقول: ” شعرت بارتياح كبير عندما أخبرني الدكتور أحمد المؤمن أن الجراحة تمت بنجاح، وأن العدسة الصناعية استقرت في مكانها بشكل ممتاز، لكنّه أوضح لي أن مرحلة التعافي لا تقل أهمية عن الجراحة نفسها، فهي التي تضمن استمرار النجاح واستقرار الرؤية.
في الأيام الأولى، كنت ألاحظ بعض الغشاوة وعدم وضوح كامل في الرؤية، وهو أمر طبيعي حسبما طمأنني الطبيب، إذ يحتاج النظر إلى بعض الوقت حتى يستقر تمامًا، وأعطاني تعليمات محددة:
· استخدام القطرات بانتظام لمنع الالتهاب.
· تجنّب لمس العين أو فركها.
· الامتناع عن حمل الأشياء الثقيلة أو الانحناء للأمام.
كما طُلِب مني ارتداء واقٍ للعين أثناء النوم لتجنّب أي احتكاك، وتجنّب المياه والصابون عند غسل الوجه لمدة معينة.
كان هناك التزام صارم بالمتابعة، خاصة أنني مريض سكر، لذا حجز لي مواعيد قريبة لمتابعة التئام الجرح وضبط ضغط العين.
بعد أسابيع قليلة، بدأت ألاحظ فرقًا حقيقيًا في الرؤية، الألوان أصبحت أوضح، والنظر تحسّن تدريجيًا. أدركت وقتها أن الالتزام بالتعليمات كان السبب الرئيسي في نجاح العملية مع الدكتور أحمد المؤمن أفضل طبيب لعملية المياه البيضاء لمرضي السكر”
هل تعود المياه البيضاء بعد العملية
هنا يوضح د. أحمد المؤمن نقطة كثيرًا ما تتردَّد على لسان المرضى بعد الجراحة: هل يمكن أن تعود العتامة مجددًا؟
والإجابة باختصار: لا، المياه البيضاء لا تعود بالمعنى الحرفي، لأن العدسة التي تُزرع مكان العدسة الطبيعية مصنوعة من مواد شفافة لا تتأثر بالبروتينات أو التغيّرات البيولوجية التي تسبب الساد.
لكن في بعض الحالات، قد يُلاحظ المريض بعد عدة أشهر أو سنوات من الجراحة أن الرؤية بدأت تضعف مجددًا أو أصبحت ضبابية، وهنا لا تكون المشكلة في العدسة نفسها، بل في الكبسولة الخلفية التي تم تثبيت العدسة الصناعية بداخلها أثناء الجراحة.
هذه الكبسولة قد تصبح معتمة مع الوقت، فيما يُعرف طبيًا بـ”عتامة المحفظة الخلفية”، وهي حالة شائعة نسبيًا.
الخبر الجيد هو أن هذا العتامة لا تحتاج إلى عملية جراحية جديدة، بل يمكن علاجها بسهولة من خلال جلسة ليزر بسيطة تُعرف باسم YAG Laser Capsulotomy، تستغرق دقائق ولا تتطلب تخديرًا عامًا أو دخول غرفة عمليات.
لذا، يمكن القول إن المياه البيضاء لا تعود، ولكن قد تحدث عتامة قابلة للعلاج بسهولة وبدون تدخل جراحي.
الوقاية من المياه البيضاء
وكما يُقال، فالوقاية دائمًا خير من العلاج ولهذا، فإن اتباع بعض العادات الصحية يمكن أن يُجنّب الكثيرين الوصول إلى هذه المرحلة، وهنا إليك أهم خطوات الوقاية التي يُوصي بها للحفاظ على صحة عينيك على المدى الطويل:
ارتداء النظارات الشمسية الواقية من الأشعة فوق البنفسجية (UV) التعرض المستمر للشمس يُسرع من تعكر العدسة، لذا يُنصح بارتداء نظارات ذات حماية عالية.
تناول غذاء غني بمضادات الأكسدة مثل فيتامين C وE، واللوتين، والزنك، والتي توجد في الخضروات الورقية والفاكهة الطازجة، وتُساهم في الحفاظ على صحة العدسة.
الإقلاع عن التدخين وتجنب الكحول لأن كليهما يعزز الأكسدة داخل العين ويزيد من خطر تكوّن الساد.
التحكم في الأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، لأنهما يؤثران بشكل مباشر على عدسة العين.
في النهاية، إذا كنت مريض سكري وتلاحظ تغيرًا في الرؤية، فلا تتأخر في زيارة طبيب العيون، تجاهلك للأعراض قد يؤدي إلى تفاقم المشكلة، بينما الفحص المبكر قد يُحدث فارقًا كبيرًا في الحفاظ على بصرك.
لذا المتابعة الدورية مع طبيب متخصص مثل الدكتور أحمد المؤمن، استشاري طب وجراحة العيون بجامعة عين شمس، تُمثل خط الدفاع الأول ضد المضاعفات الخطيرة، لا تنتظر حتى تتدهور الرؤية، بل بادر بالحماية الآن، فالبصر لا يُعوّض.

